أزمة اللاجئين في مصر.. لماذا تتحول "الحماية" إلى ملاحقة أمنية؟
تشهد الساحة المصرية مؤخراً تصعيداً لافتاً في التعامل مع ملف اللاجئين، حيث انتقلت الإجراءات من "التدقيق الإداري" إلى حملات أمنية موسعة شملت توقيف وترحيل العشرات من الأشقاء السودانيين والسوريين. هذه التحركات تفتح باباً واسعاً للتساؤلات حول التوازن المفقود بين تطبيق القانون وبين الالتزامات الدولية والأبعاد الإنسانية والسياسية.
حملات أمنية وخطاب كراهية: من المستفيد؟
لم تكن الحملة الأمنية التي استهدفت المقاهي والتجمعات في مناطق تواجد اللاجئين مجرد إجراء قانوني عابر، بل تزامنت مع موجة "تحريض إلكتروني" رصدتها منصات التحقق (مثل صحيح مصر). اعتمدت هذه الحملات على تزييف الحقائق ونشر خطابات الكراهية، مما خلق حالة من "التطبيع المجتمعي" مع فكرة الانتهاكات بحق ضيوف مصر.
مأساة إنسانية: تصدرت قصة وفاة المسن السوداني "مبارك قمر الدين" (67 عاماً) داخل قسم شرطة الشروق المشهد، كدليل مؤلم على التداعيات الخطيرة للاحتجاز العشوائي للفئات الهشة والمرضى، مما يستوجب مراجعة فورية لآليات التعامل مع كبار السن والأطفال.
اللاجئ السوري.. من الاستثمار إلى ضغوط الترحيل
بالرغم من الإسهام الواضح للسوريين في الاقتصاد المصري -خاصة في قطاعات التجارة والمطاعم والعقارات- إلا أن الفترة الأخيرة شهدت تضييقاً شمل:
- الملاحقات الإدارية: تعقيد إجراءات تجديد الإقامات واستخدام "الموافقات الأمنية" كعائق يصعب تجاوزه.
- خطر الترحيل القسري: وهو ما يخالف "اتفاقية جنيف" ونظام روما الأساسي، اللذان يحظران إعادة أي شخص إلى منطقة تتعرض فيها حياته أو حريته للخطر.
- غياب المسارات القانونية: تبرز الحاجة الملحة للاعتراف بالمستندات المؤقتة وتقليص فترات الانتظار أمام إدارات الجوازات بدلاً من سياسة "الميكروباصات" والترحيل الفوري.
الحقيقة الاقتصادية: مصر ليست خاسرة
بعيداً عن العاطفة، تستفيد الدولة المصرية من وجود اللاجئين عبر:
- الدعم الدولي: المنح والتمويلات من الاتحاد الأوروبي الموجهة لدعم البنية التحتية مقابل استضافة اللاجئين.
- تحريك السوق: التدفقات المالية، الحوالات الخارجية، والنشاط التجاري الذي ازدهر بفضل "بيزنس اللاجئين" خلال أزمة 2023 المالية.
- التمويل الذاتي: بخلاف التجربة الأوروبية، يتحمل اللاجئ في مصر تكاليف سكنه، علاجه، وتعليم أبنائه بالكامل، دون أعباء إعانة مباشرة من الخزانة العامة.
رؤية سياسية: السياسة يجب أن تقود الأمن
إن إدارة ملف اللاجئين بعقلية "أمنية محضة" قد تخدم خصوم مصر في العمق الاستراتيجي (مثل ميليشيات الجنجويد المعادية للدولة المصرية). بدلاً من الملاحقة، نقترح:
- التنسيق الدبلوماسي: فتح قنوات اتصال مع الحكومات المعنية (السودانية والسورية) لتنظيم العودة الطوعية والآمنة لمن يرغب، وتوفير مهل زمنية كافية لتجديد الإقامات.
- توفير ممرات آمنة: ضمان أن العودة إلى الخرطوم أو المناطق السورية لا تتم إلا بعد تأهيل البنية التحتية (كهرباء، مياه، أمن).
- الحفاظ على الجميل: مصر التي كانت دائماً ملاذاً آمناً، لا يجب أن تهدر رصيدها التاريخي بحملات غير مدروسة تصنع ضغائن مجانية مع شعوب تربطنا بها وحدة المصير.
.png)
تعليقات
إرسال تعليق
رأيك يهمنا 🤝
شاركنا وجهة نظرك أو تعليقك بكل احترام، فالحوار الواعي هو أساس الحقيقة.