مقدمة: شعبان يجمعهما الدم ولو فرّقتهما السياسة
لا يمكن الحديث عن مصر وسوريا دون الاعتراف بحقيقة ثابتة: العلاقة بين الشعبين المصري والسوري لم تكن يومًا علاقة عادية، بل علاقة أخوّة تاريخية وجغرافية وثقافية. فرغم اختلاف الظروف والحكومات والسياسات عبر ستة عقود، ظل الرابط الشعبي ثابتًا لا تهزّه تقلبات السياسة ولا تغيّرات النظام. ومنذ تجربة الوحدة العربية في خمسينيات القرن الماضي، وحتى اللحظة التي تستقبل فيها القاهرة تحولًا سياسيًا جديدًا في دمشق، يبقى السؤال: أين تقف العلاقات اليوم؟ وكيف تتوازن أخوّة الشعوب مع حسابات الدول؟
المقال التالي يقدم قراءة شاملة لمسار العلاقات بين مصر وسوريا — من حلم الوحدة الكبير، إلى مسارات التباعد والتقارب، وصولًا للموقف المصري القوي ضد إسرائيل دفاعًا عن الأراضي السورية في 2024–2025، مع تحليل كيف تلعب الأخوّة الشعبية دورًا أكبر من السياسة.
أولًا: جذور العلاقة قبل الوحدة — طريق ممهد لأخوة نادرة
قبل إعلان الوحدة السياسية بين البلدين بسنوات، تشكلت علاقة تضامن قوية بين مصر وسوريا. فبعد الحرب العالمية الثانية، وقبل استقلال سوريا رسميًا، لعبت القاهرة دورًا مؤثرًا في دعم دمشق ضد الانتداب الفرنسي. وفي تلك الفترة تشكلت لدى النخب المصرية والسورية فكرة أن البلدين “امتداد طبيعي لبعضهما”، ليس جغرافيًا فقط، بل ثقافيًا ولغويًا وحضاريًا.
المثقفون والطلبة والفنانون كانوا يعبرون بين القاهرة ودمشق بلا حواجز، وصناعة السينما السورية في بداياتها استندت إلى فنانين مصريين، بينما درس آلاف السوريين في الجامعات المصرية. بذلك، كانت الأرض ممهدة لولادة مشروع عربي كبير.
ثانيًا: الوحدة المصرية–السورية 1958 — ذروة الحلم القومي العربي
في 22 فبراير 1958، أعلن جمال عبد الناصر من القاهرة قيام الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا. وكان هذا الحدث الأكثر إثارة في التاريخ العربي الحديث.
فجأة، أصبح بلدين بنظامين وشعبين تحت راية سياسية واحدة.
- توحيد البرلمان في «مجلس الأمة»
- دستور موحد
- حكومة مركزية في القاهرة
- إزالة الحدود
- دمج مؤسسات الدولة
- مشروع اقتصادي وتنموي مشترك
كانت الوحدة بالنسبة للشعبين “أملًا كبيرًا”؛ السوريون كانوا يشعرون بأن مصر تحميهم من أي محاولات انقلابية أو تدخل خارجي، والمصريون رأوا في سوريا شريكًا عربيًا قويًا وعمقًا استراتيجيًا.
ولكن…
![]() |
| حرب 73 |
ثالثًا: الانفصال 1961 — حين سقط الحلم وبقيت الأخوّة
لم تستمر الوحدة سوى ثلاث سنوات.
أسباب الانفصال كثيرة:
- خلافات بين النخب الاقتصادية
- ضغوط من ضباط الجيش في سوريا
- مركزية الحكم في القاهرة
- صراع سياسي داخلي في دمشق
في 28 سبتمبر 1961 وقع انقلاب في سوريا أنهى الوحدة، وأعلنت دمشق عودتها كجمهورية مستقلة.
لكن المدهش أن الشعور الشعبي المؤيد للوحدة استمر طويلًا؛ فالشوارع في مصر وسوريا لم تعتبر الانفصال “عداوة”، بل “تجربة لم تكتمل”. حتى اليوم، كثير من السوريين يعتبرون مصر “بيتًا ثانياً”، وكثير من المصريين ينظرون لسوريا كبلد قريب بالدم والهوى.
رابعًا: عقود العلاقات بعد الانفصال — تقارب، ثم تباعد، ثم عودة حذرة
بعد الانفصال، تعرّضت العلاقات لموجات من التقارب والفتور، لكن لم تتحول يومًا إلى خصومة حقيقية.
في حرب 1967 وحرب 1973
شاركت مصر وسوريا معًا ضد إسرائيل. كانت الحربان رمزًا لوحدة المصير، رغم اختلاف الأنظمة والخيارات السياسية. وظل التعاون العسكري خلال حرب أكتوبر 1973 علامة فارقة على أن المصالح القومية يمكن أن تجمع رغم الظروف.
في العقود اللاحقة
بدأت السياسة تُبعد البلدين تدريجيًا:
- تحالفات إقليمية مختلفة
- اختلاف مواقف من قضايا دولية
- أولويات داخلية لكل نظام
لكن مع ذلك: الفن، التجارة، التعليم، العلاقات الإنسانية… كلها ظلت تمتد بلا انقطاع. السوريون كانوا من أكثر الجاليات احترامًا ومحبة في مصر، والمصريون كانوا من أكثر الزوار قربًا إلى الشارع السوري.
خامسًا: مرحلة ما بعد 2011 — السياسة تشتد… والروابط الشعبية تزداد قوة
مع بداية الأزمة السورية 2011، دخلت العلاقات مرحلة مركّبة.
مصر تبنّت خطابًا دبلوماسيًا يحاول الحفاظ على توازن صعب بين:
- دعم الشعب السوري
- تجنّب الانحياز إلى طرف مسلّح
- الحفاظ على وحدة سوريا
- رفض تقسيم الأراضي السورية
ورغم هذا التوازن السياسي، كانت مصر واحدة من الدول العربية التي رفضت التصعيد أو التحريض ضد السوريين، واستقبلت أعدادًا كبيرة منهم دون قيود أو مخيمات. وقد اعتبر السوريون ذلك “موقف أخوّة حقيقي” وليس مجرد سياسة.
سادسًا: تطورات 2024–2025 — صفحة جديدة بحذر مُتبادل
في 2024–2025، ومع وصول قيادة جديدة إلى الحكم في سوريا، بدأت القاهرة ودمشق تعيدان بناء القنوات السياسية تدريجيًا.
أهم التحركات:
- مشاركة سوريا في اجتماع جامعة الدول العربية في مصر
- لقاء بين الرئيس المصري والرئيس السوري الجديد أحمد الشرع
- تأكيد مصر دعمها لوحدة سوريا وسيادتها
- حديث متزايد عن تعاون في الطاقة وإعادة الإعمار
لكن القاهرة تتحرك بحذر:
- مخاوف من صعود تيارات إسلامية داخل سوريا
- حسابات إقليمية مع الخليج
- هواجس أمنية مرتبطة بتهريب السلاح والحدود
ومع ذلك، يظهر أن هناك رغبة صادقة في بناء علاقة جديدة أكثر واقعية من شعارات الوحدة القديمة.
سابعًا: القرار المصري ضد إسرائيل — موقف قوي نصرةً لسوريا
في 2024 و2025، أعلنت مصر رسميًا إدانتها للضربات الإسرائيلية على الأراضي السورية، وطالبت بوضوح بـ:
![]() |
| حرب 73 |
«انسحاب إسرائيل من الأراضي السورية التي تحتلها أو تسيطر عليها»
وذلك تضمن:
- إدانة “العدوان الإسرائيلي” على سوريا.
- اعتباره "انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي وسيادة دولة عربية".
- مطالبة إسرائيل “بالانسحاب الفوري” من الأراضي السورية.
- رفض “الاستيلاء على مناطق منزوعة السلاح” في الجولان.
- تأكيد مصر أن أي تواجد عسكري إسرائيلي على أرض سوريا “احتلال غير شرعي”.
هذا الموقف المصري كان له صدى كبير في الشارع السوري، الذي استقبل هذه الإدانة باعتبارها امتدادًا للعلاقة التاريخية بين البلدين.
ثامنًا: لماذا يبقى الشعب أقوى من السياسة؟
كلما اشتدت السياسة، قويت العلاقة بين الشعبين.
لماذا؟
لأن المصري يرى السوري “أخًا” قبل أن يكون زائرًا أو وافدًا.
ولأن السوري يرى مصر “حضنًا كبيرًا” وبلدًا يشبه بلده في الثقافة واللهجة والعادات.
- موسيقى واحدة
- طعام واحد
- شارع واحد
- لغة واحدة
- ووجع واحد
هذه الأخوة لم تتزعزع رغم تغيّر الحكومات، وتقلب الإقليم، واشتداد الأزمات.
تاسعًا: مستقبل العلاقات — شراكة جديدة بدل الوحدة القديمة
هل يمكن أن تعود الوحدة؟
الجواب: لا بشكلها القديم.
لكن:
قد تولد شراكة استراتيجية عربية جديدة بين القاهرة ودمشق، تعتمد على:
- تعاون اقتصادي
- تنسيق أمني
- موقف إقليمي مشترك
- إعادة إعمار سوريا
- دعم استقرار الشرق الأوسط
وإذا استمرت القيادتان في إزالة الهواجس، يمكن أن تصبح العلاقة واحدة من أقوى العلاقات العربية خلال العقد القادم.
خاتمة
منذ سبعين عامًا، تتأرجح العلاقات بين مصر وسوريا بين دفء الأخوة وتقلّبات السياسة.
لكن الحقيقة التي لا تتغير هي أن:
الشعب المصري والسوري أبناء بيت واحد مهما اختلفت الحكومات.
وإذا كانت الوحدة حلمًا لم يكتمل، فإن الأخوة باقية، والسياسة قابلة للتصحيح، والمستقبل مفتوح لصفحة جديدة تقوم على الاحترام، والسيادة، والتعاون، والدعم المتبادل.


تعليقات
إرسال تعليق
رأيك يهمنا 🤝
شاركنا وجهة نظرك أو تعليقك بكل احترام، فالحوار الواعي هو أساس الحقيقة.