الإسكندرية تحت الحصار: كيف حولت "الهجرة العشوائية" و"إمبراطوريات الدم" وجه المدينة الكوزموبوليتانية؟
لم تعد الإسكندرية تلك المدينة الحالمة التي تغنى بها الشعراء، ولا هي "كوزموبوليتانية" البحر المتوسط التي تجمع الثقافات في العقود الثلاثة الأخيرة، تعرضت العاصمة الثانية لمصر لعملية "تجريف" ممنهج لهويتها، ليس بفعل عوامل الطبيعة، بل بفعل طوفان بشري زحف من الأقاليم والريف، حاملاً معه ليس فقط أحلام البحث عن الرزق، بل أنماطاً سلوكية واجتماعية شكلت "قنبلة موقوتة" انفجرت في وجه الاقتصاد والأمن السكندري. ولعل "حي المنتزه" هو الشاهد الأكبر ومسرح الجريمة الأوضح لهذا التحول الدرامي.
1. الزحف المقدس: التغيير الديموغرافي وانهيار البنية التحتية
شهدت الإسكندرية موجات هجرة غير مخططة من محافظات الدلتا والصعيد، استوطنت أطراف المدينة ومناطقها الحيوية. هذا النزوح لم يكن مجرد انتقال للسكن، بل كان نقلاً لثقافة "الريف" و"العشوائية" وتجارة المخدرات والبلطجة في الإسكندرية إلى قلب المدينة الحضرية.
التأثير الاقتصادي السلبي (اقتصاد الكفاف)
تحول الاقتصاد السكندري من اقتصاد يعتمد على السياحة الراقية والصناعة والتجارة البحرية، إلى اقتصاد "التوكتوك" والباعة الجائلين.
* استنزاف الموارد: تسبب التكدس السكاني الهائل في انهيار شبكات الصرف الصحي والمياه التي لم تكن مصممة لاستيعاب هذه الملايين.
* هروب الاستثمار: تحولت مناطق سياحية بالكامل إلى "أسواق شعبية عشوائية"، مما أدى لهروب السياحة الخارجية والداخلية الراقية، واستبدالها بسياحة "اليوم الواحد" التي لا تدر دخلاً حقيقياً للمحافظة بل تزيد من أعباء النظافة والإهلاك.
2. "المنتزه".. من حدائق الملك إلى "كانتونات" الرعب
يُعد حي المنتزه (بقسميه أول وثان) النموذج الصارخ لهذا الانهيار. المنطقة التي كانت يوماً رمزاً للهدوء والرقي، تحولت إلى غابة خرسانية مكتظة بالسكان، تحكمها قوانين الغاب التي تفرضها عائلات محددة.
عائلات "الرهينة" وتاريخها الأسود
في عمق المناطق العشوائية بشرق الإسكندرية، برزت أسماء عائلات تدعي أصولاً عربية (رحالة) أو ما يعرف محلياً بـ "الرهينة". هؤلاء ليسوا بدواً بالمعنى التقليدي المحافظ، بل هم جماعات قبلية استغلت الفراغ الأمني وغياب الدولة في فترات سابقة لتكوين ما يشبه "الدويلات المستقلة".
* فرض السطوة: تعتمد هذه العائلات على مبدأ "العصبية القبلية" في مواجهة الدولة والقانون. السلاح هو لغتهم، والبلطجة هي وسيلة الحوار.
* الرهينة: مصطلح يطلق مجازاً وواقعاً، حيث أصبحت مناطق بأكملها "رهينة" لنفوذهم، يفرضون الإتاوات على أصحاب المحلات، ويتحكمون في مواقف السيارات العشوائية، وحتى في من يحق له البناء أو البيع.
3. اقتصاد الظل: المخدرات وغسيل الأموال في الخرسانة
لا يمكن فصل الثراء الفاحش لهذه العائلات عن مصادر دخلهم غير المشروعة. حي المنتزه أصبح مركزاً لوجستياً لتجارة الموت.
تجارة الكيف العلنية
استغلت هذه العائلات الطبيعة الجغرافية المتداخلة للمباني العشوائية (التي بنوها بأنفسهم) لتحويلها إلى أوكار لتخزين وتوزيع المخدرات الأمر لم يعد سراً، بل أصبح تجارة تدار بوقاحة في الشوارع الجانبية وبالأخص فى مدينة فيصل السكنية ، مما دمر جيلاً كاملاً من شباب الإسكندرية.
غسيل الأموال: إرث "عصر مبارك" العقاري
في العقد الأخير من حكم الرئيس الأسبق مبارك، وتحديداً فترة الفساد المستشري في المحليات، وجد تجار المخدرات والبلطجية ضالتهم في "العقارات".
* الأبراج المخالفة (الكحول): تم بناء آلاف الأبراج السكنية الشاهقة في شوارع لا يتجاوز عرضها 6 أمتار. هذه الأبراج لم تبنَ بهدف حل أزمة الإسكان، بل كانت "غسالات عملاقة" لأموال المخدرات وتجارة الآثار.
* آلية الغسيل: يتم ضخ الملايين القذرة في شراء مواد البناء ودفع الرشاوى للمحليات للتغاضي عن المخالفات، ثم بيع الشقق بأسعار مغرية (أو عالية حسب المنطقة) لتخرج الأموال "نظيفة" في صورة عقود بيع وشراء موثقة.
4. الوجه القبيح: البلطجة وتآكل السلم الاجتماعي
لم يكتفِ القادمون الجدد والهياكل العائلية المسيطرة بالفساد المالي، بل فرضوا عادات اجتماعية دخيلة.
* انهيار القيم السكندرية: اختفت قيم الجيرة والتسامح وحل محلها الصوت العالي، المشاجرات بالأسلحة البيضاء في وضح النهار، وانتشار الألفاظ النابية.
* عائلات فوق القانون: رسخت هذه العائلات قناعة لدى المواطن العادي بأنهم "فوق المحاسبة"، مما خلق حالة من الاحتقان واليأس، ودفع الكثير من العائلات السكندرية الأصلية لبيع ممتلكاتهم والهجرة خارج تلك المناطق، تاركين الساحة خالية لهذه المافيات.
5. المواجهة: كيف تتعامل الشرطة المصرية مع "دبابير" المنتزه؟
على الرغم من قتامة المشهد، فإن السنوات الأخيرة شهدت تغيراً ملحوظاً في استراتيجية وزارة الداخلية المصرية في التعامل مع هذه البؤر.
من الاحتواء إلى "كسر العظم"
سابقاً، كان التعامل يتم بنظام "تسكين الألم" أو الصفقات العرفية. الآن، ومع تحديث المنظومة الأمنية، اختلفت المقاربة:
* الحملات المكبرة: لم تعد الشرطة تكتفي بالدخول بأفراد، بل أصبحت الحملات مدعومة بمجموعات قتالية ومدرعات لاقتحام "القلاع" التي بنتها تلك العائلات في المنتزه مدينة فيصل وشارع 45 و العصافرة المعهد الدينى .
خاتمة: هل تستعيد الإسكندرية روحها؟
إن ما حدث في الإسكندرية، وبالأخص في حي المنتزه، هو درس قاسي في خطورة الهجرة الداخلية غير المنضبطة وترك الحبل على الغارب للكانتونات العائلية القبلية لتنمو كالسرطان في جسد الدولة.


تعليقات
إرسال تعليق
رأيك يهمنا 🤝
شاركنا وجهة نظرك أو تعليقك بكل احترام، فالحوار الواعي هو أساس الحقيقة.