بينما كان الإعلام الغربي يروج لصورة نظام يترنح، كانت طهران تخطط لضربة مضادة لم تتوقعها العواصم الكبرى إليكم التحليل الكامل لتلك الخطوات التي غيرت موازين القوى من "الدفاع" إلى "الهجوم الهادئ".
1. فخ "القاعة المغلقة": الدبلوماسية حين تتحول إلى هجوم مضاد
لطالما كان استدعاء السفراء إجراءً بروتوكوليًا للتعبير عن الاحتجاج، لكن إيران قررت كسر هذه القاعدة وتحويل "الاستدعاء" إلى "مواجهة بالحقائق". حين استدعت الخارجية الإيرانية سفراء بريطانيا، ألمانيا، فرنسا، وإيطاليا، لم يكن الهدف تسليمهم ورقة احتجاج ورقية ستنتهي في سلة المهملات، بل كان الهدف هو "إعادة ضبط الوعي".
المواجهة بالصورة والصوت
داخل قاعة مغلقة، وُضع السفراء الأربعة أمام شاشات ضخمة تعرض ما لا تنقله قنواتهم الإخبارية (BBC، DW، وFrance 24). عُرضت لقطات موثقة لعناصر ملثمة ومسلحة تخترق الصفوف، تشعل النيران، وتغتال رجال أمن بدم بارد. الرسالة الإيرانية كانت حادة كالمشرط: "هذا ليس احتجازاً سلمياً، هذا تمرد مسلح ترعاه أجهزتكم الاستخباراتية".
هذه الخطوة نقلت السفراء من مربع "الوعظ الأخلاقي" إلى مربع "الدفاع عن النفس". بوضع نسبة 99% من الشكوك حول تورط عملاء الموساد في هذه العمليات، وضعت طهران الغرب أمام مرآة نفاقه: هل تدعمون "حق التظاهر" أم تدعمون "تفكيك الدولة"؟ هذه المناورة نجحت في إحداث شرخ في الرواية الموحدة التي كان يتبناها الاتحاد الأوروبي.
2. سيكولوجية الحشود: "بزشكيان" والرد عبر الشارع
لا تكتمل القوة الدبلوماسية إلا بظهير شعبي يحميها. وفي الوقت الذي كانت فيه المراهنات الدولية تعتمد على اتساع فجوة الغضب الشعبي، قام الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بخطوة جريئة بالنزول الشخصي إلى قلب طهران وسط مظاهرات مليونية مؤيدة للنظام.
كسر الزخم المعارض
إن سيكولوجية الحشود تقول إن "الزخم يولد الزخم". وبنزول الملايين في طهران وكبرى المدن، حدث ما يلي:
* رفع معنويات الحاضنة الشعبية: شعر أنصار النظام أنهم الغالبية وأن الدولة ليست في موقف ضعف.
* إحباط الطرف الآخر: تراجع زخم المظاهرات المضادة بشكل ملحوظ بمجرد رؤية حجم الحشد المؤيد، مما أدى لتقليص الضغط النفسي الذي كان يُمارس على القوات الأمنية.
* رسالة للخارج: الصورة التي نُقلت للأقمار الصناعية ووكالات الأنباء نسفت فرضية "النظام المعزول"، وأثبتت أن هناك قطاعات واسعة من الشعب مستعدة للدفاع عن كيان الدولة.
3. التراجع التكتيكي لواشنطن: هل هو "سلام" أم "خداع استراتيجي"؟
انعكست التحركات الإيرانية فوراً على نبرة التصريحات في واشنطن فجأة، اختفت لغة "الخيار العسكري الجاهز"، وظهرت لغة "الدعوة للتفاوض حول البرنامج النووي". الأهم من ذلك، هو ما تسرب عن إبلاغ الجيش الأمريكي للرئيس ترامب بعدم جاهزية القوات لتوجيه ضربة شاملة حالياً، وطلبهم وقتاً لدراسة "الخيارات".
قراءة في العقل الأمريكي (ترامب ونتنياهو)
يجب أن نكون حذرين جداً هنا؛ فنسبة أن يكون هذا "خداعاً استراتيجياً" تتجاوز 90% ترامب ونتنياهو يدركان أن "نظام المرشد" هو العقبة الوحيدة أمام تنفيذ مشروع "الشرق الأوسط الجديد" بالشكل الذي يخططان له.
* لماذا التهدئة الآن؟ لأن إيران نجحت في توقيت تحركاتها السياسة هي فن التوقيت، وإيران استغلت لحظة "عدم اليقين" العسكري لفرض واقع سياسي جديد. التهدئة الأمريكية ليست نتاج "حسن نية"، بل هي نتاج "إعادة حسابات الربح والخسارة".
![]() |
| تظاهرات طهران |
4. الموقف الإسرائيلي: الضربة "الوقائية" بدلاً من "الإسقاط"
التقارير الأمنية القادمة من تل أبيب كشفت عن ارتباك مماثل التوصية بعدم الدخول في مواجهة حالياً تعكس قناعة إسرائيلية بأن أي اعتداء خارجي الآن سيعمل كـ "مغناطيس" لتوحيد الشعب الإيراني خلف قيادته، وهو عكس ما تريده إسرائيل.
تحول العقيدة القتالية تجاه إيران
الخلاصة: الدروس المستفادة من "الريمونتادا الإيرانية"
ما حدث في الـ 24 ساعة الماضية هو درس في "إدارة الأزمات المركبة". إيران كانت تستقبل هجوماً في ثلاثة ملاعب في آن واحد (الإعلام، الشارع، والدبلوماسية)، وفجأة استطاعت:
* تصحيح الصورة الذهنية أمام أوروبا عبر المواجهة بالحقائق الميدانية.
* استعادة المبادرة في الشارع وإجبار المعارضة على التراجع الدفاعي.
* تجميد التصعيد العسكري عبر خلق حالة من التردد لدى واشنطن وتل أبيب.
على الرغم من أن شبح "الخداع الاستراتيجي" يلوح في الأفق، وأن المواجهة قد تتجدد في أي لحظة، إلا أن الثابت الآن هو أن إيران سجلت هدفاً تاريخياً غير مسار الأحداث، وأثبتت أنها "لاعب شطرنج" لا يستهان به في رقعة الشرق الأوسط الملتهبة.
.jpg)

تعليقات
إرسال تعليق
رأيك يهمنا 🤝
شاركنا وجهة نظرك أو تعليقك بكل احترام، فالحوار الواعي هو أساس الحقيقة.