في توقيت بالغ الحساسية، حيث تحبس المنطقة أنفاسها ترقباً لضربة عسكرية أمريكية أو إسرائيلية محتملة ضد طهران، انفجر المشهد الداخلي الإيراني ليكشف عن هشاشة غير متوقعة في الجبهة الخلفية للنظام لم تعد المعركة تدور فقط حول مضيق هرمز أو القواعد العسكرية في الخليج، بل انتقلت النيران إلى قلب طهران، راسمة سيناريو "يوم القيامة" للنظام الإيراني الذي يجد نفسه محاصراً بين غضب شعبي عارم في الداخل، وتربص عسكري أمريكي في الخارج.
هذا المقال يغوص في عمق المشهد المركب: من أكياس الجثث المكدسة في طهران، إلى اتهامات "المؤامرة الخارجية"، وصولاً إلى ما "استفعلته" إيران في الشرق الأوسط لسنوات، وكيف يمكن لهذه الخلطة المتفجرة أن تقودنا إلى حرب شاملة.
الداخل يغلي: جثث، اتهامات، ومسيرات مضادة
حرب الروايات: "إرهابيون" أم غضب شعبي؟
في محاولة للسيطرة على السردية، سارعت السلطات الإيرانية إلى توجيه أصابع الاتهام المعتادة نحو "الشيطان الأكبر" فقد اتهمت طهران رسمياً الولايات المتحدة وإسرائيل بإثارة الاضطرابات الحالية، واصفة ما يحدث بأنه "أعمال إرهابية" بتحريض غربي ولم تكتفِ بذلك، بل دعت إلى مسيرة حاشدة على مستوى البلاد يوم الاثنين، في استعراض قوة يهدف لتوجيه رسالة مزدوجة: للداخل المتمرد، وللخارج المتربص.
لكن الكاميرا لا تكذب، أو هكذا يقول لسان حال الشارع الإيراني التلفزيون الرسمي، وفي سابقة نادرة، عرض لقطات صادمة لعشرات الأكياس التي تحتوي على جثث ملقاة على الأرض في مكتب الطبيب الشرعي المذيع الرسمي وصف القتلى بأنهم "ضحايا أحداث أشعلها إرهابيون مسلحون"، محاولاً بذلك نزع صفة "المحتج" عن الضحايا وإلصاق تهمة الإرهاب بهم لتبرير العنف المفرط.
صرخات "كهريزك" تخترق التعتيم
الهروب إلى الأمام: هل تضرب إيران المنطقة؟
تاريخياً، عندما تواجه الأنظمة الشمولية أزمات داخلية عاصفة تهدد بقاءها، فإنها تلجأ لاستراتيجية "الهروب إلى الأمام" عبر افتعال صراع خارجي يوحد الجبهة الداخلية تحت راية "الوطن في خطر".
هنا تكمن الخطورة القصوى. اتهام إيران الصريح لأمريكا وإسرائيل بالوقوف وراء هذه الأحداث ليس مجرد تصريح إعلامي، بل قد يكون تمهيداً شرعياً لرد عسكري. النظام الإيراني قد يرى أن توجيه ضربة لأهداف أمريكية أو إسرائيلية في المنطقة هو السبيل الوحيد لإسكات الصوت الداخلي وتحويل الأنظار نحو "العدو الخارجي".
إرث التوسع: ماذا فعلت إيران في الشرق الأوسط؟
1. العراق: الهيمنة المطلقة
2. سوريا: انكسار الجسر البري ونهاية الحلم
بعد عقد من "هندسة الديموغرافيا والنار" ومحاولات الحرس الثوري المستميتة لتحويل سوريا إلى قاعدة عمليات متقدمة ومصنع للصواريخ الدقيقة، استيقظت طهران على الكابوس الأكبر: سقوط النظام السوري. هذا الانهيار لم يكن مجرد خسارة لحليف، بل هو بتر كامل لـ "الجسر البري" الذي يربط طهران بالبحر المتوسط اليوم، لم تعد الأراضي السورية ساحة لتصفية الحسابات الإيرانية، بل أصبحت ثقباً أسود ابتلع استثمارات طهران العسكرية والسياسية، تاركاً فيالق الحرس الثوري بلا غطاء شرعي أو جغرافي، مما جعل نفوذها في الشام يلفظ أنفاسه الأخيرة تحت ضربات التحولات الكبرى.
3. لبنان واليمن: كماشة متصدعة وقيادات مقطوعة الرأس
لم تكن الضربة في سوريا هي الوحيدة، بل تلقى "محور المقاومة" زلزالاً في لبنان زلزل أركانه. فبعد أن كان "حزب الله" يمثل درة التاج الإيراني وفيلقاً عسكرياً متكاملاً، دخل الحزب في مرحلة من التيه الاستراتيجي عقب اغتيال حسن نصر الله ومعظم قيادات الصف الأول والعمليات هذا "الرأس المقطوع" جعل الذراع اللبنانية التي كانت تغلق المجال الجوي الإسرائيلي تعاني من نزيف حاد وفقدان للتوازن.
وفي ظل هذا التهاوى في دمشق وبيروت، يجد النظام الإيراني نفسه متمسكاً بخيوط واهنة في اليمن عبر جماعة الحوثي فبينما يواصل الحوثيون تهديد الملاحة في البحر الأحمر، أصبحت هذه الجبهة هي "الرئة الوحيدة" المتبقية لكماشة إيرانية كانت يوماً ما تطوق شبه الجزيرة العربية، لكنها اليوم كماشة مكسورة الأطراف، تحاول جاهدة إثبات حضورها وسط ركام التحالفات المنهارة.

تعليقات
إرسال تعليق
رأيك يهمنا 🤝
شاركنا وجهة نظرك أو تعليقك بكل احترام، فالحوار الواعي هو أساس الحقيقة.